ابن عبد البر
196
الدرر في اختصار المغازي والسير
فقالت لهم : هذاكم صاحبكم ، فأدخلوا . فلما دخلوا أغلقوا الباب على أنفسهم ، فأيقنت بالشر وصاحب ، فهمّوا بقتلها . ثم ذكروا نهى النبيّ - صلى اللّه عليه وسلم - عن قتل النساء والولدان ، فأمسكوا عنها . ثم تعاوروه بأسيافهم وهو راقد على فراشه - أبيض في سواد الليل كأنه قبطية « 1 » ، ووضع عبد اللّه بن عتيك سيفه في بطنه حتى أنفذه ، وهو يقول : قطني « 2 » قطني . ثم نزلوا . وكان عبد اللّه بن عتيك سيّئ « 3 » البصر ، فوقع « 4 » ، فوثئت « 5 » رجله وثئا شديدا ، فحمله أصحابه حتى أتوا منهرا « 6 » من مناهرهم ، فدخلوا فيه ، واستتروا . وخرج أهل الآطام لصياح امرأته وأوقدوا النيران في كل جهة ، فلما يئسوا رجعوا « 7 » . فقال أصحاب ابن عتيك كيف لنا أن نعلم أن عدو اللّه قد مات ؟ فرجع أحدهم ، فدخل بين الناس ، فسمع امرأة ابن أبي الحقيق تقول : واللّه لقد سمعت صوت ابن عتيك ، ثم [ أكذبت « 8 » نفسي ] وقلت : أنّى ابن عتيك بهذه البلاد ؟ ! . قال : ثم إنها نظرت في وجهه ، فقالت : فاظ « 9 » وإله يهود . قال : فسررت ، وانصرفت إلى أصحابي ، فأخبرتهم بذلك . فرجعوا إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فأخبروه ، وتداعوا « 10 » في قتله ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : هاتوا أسيافكم / فأروه إياها ، فقال عليه السلام عن سيف عبد اللّه ابن أنيس : هذا قتله « 11 » ، أرى فيه أثر الطعام . وحديث البراء بن عازب في قتل ابن أبي الحقيق بخلاف هذا المساق ، والمعنى واحد .
--> ( 1 ) القبطية : ثياب بيض من كتان تصنع بمصر . ( 2 ) قطني : كفاني . ( 3 ) هكذا في ابن هشام والمصادر الأخرى ، وفي الأصل : ضرير البصر ( 4 ) في ابن هشام : فوقع من الدرجة . ( 5 ) وثئت : صدعت صدعا شديدا لا يبلغ الكسر . ( 6 ) المنهر : فضاء بين أفنية القوم يلقون فيه فضلاتهم أو كناساتهم . ( 7 ) في ابن سعد : أنه خرج في اثرهم الحارث أبو زينب في ثلاثة آلاف يطلبونهم بالنيران فلم يروهم ، فرجعوا ، ومكث القوم في مكانهم حتى سكن الطلب . ( 8 ) زيادة من ابن هشام ، وهي من حديث امرأة ابن أبي الحقيق . ( 9 ) فاظ : مات . ( 10 ) تداعوا : ادعى كل منهم أنه قاتله . ( 11 ) في النويري ، عن الحافظ الدمياطي : في حديث أخر أن الذي قتله عبد الله بن عتيك وحده ، وهو الصواب .